تعيش غزة هذه الليالي تحت ظلام دامِس, يهدّد الحياة الإنسانية, ويعرضها لموت محقق, فأين دعاة الخير؟ وأين علماء الدين؟ وأين صوت الحق؟ وقبل ذلك وبعده, أتساءل أين هي الفضائيات عن نقل هذه المأساة ليتداعى باقي الجسد الإسلامي بالسهر والحمى لعضوه المصاب الذي أنهكه الجوع والمرض والحصار؟
إن المدهش حقًا أيها القراء الكرام أن هذه المواجع والكوارث التي تحيط بأهلنا في غزة تنقل على الهواء مباشرة من قنوات فضائية لا تعدّ إلا على أصابع اليد الواحدة, والعدد الغفير منها يعيش في عالم آخر, وكأن هناك حدثًا في غزة لا يُؤْبَه له, أو لا يستحق الاهتمام!!
ليس العجب من فضائيات تغيب عن هموم المسلمين وآلامهم؛ لكونها غارقة في أتون العهر والعري والفجور, أو لكونها سابحة في أحداث الفن والرياضة واللهو, ولكن العجب من فضائيات إسلامية, ومن فضائيات محافظة, تعرض برنامجًا للطبخ, أو آخر للطفل, أو برنامجًا حول المرض النفسي وأثره على تربية الطفل, أو تقريرًا عن الأسماك في البحر الأحمر, أو عن حيوانات النمور في غابات إفريقيا لحظة انقضاضها على فريستها, في الوقت الذي تعرض فيه بعض الفضائيات الأخرى ما يحلّ بإخواننا المسلمين في غزة لحظة انقطاع التيار الكهربائي, ولحظة بكاء النساء وأنين الأطفال من قلة الغذاء, ولحظة هاجس الخوف الذي تسلل إلى المرضى من نقص الدواء, فتنقل هذه الفضائيات بحسّها الإعلامي المرهف, وبما لديها من مهنية راقية, تنقل نقلاً مباشرًا لهذه الوقائع الإنسانية, ليصل بكاء المرأة وأنين الطفل وهاجس الخوف الفلسطيني إلى كل من في نفسه حُرْقة وغيرة، أو إنسانية لهؤلاء المستضعفين العُزَّل الذين لا حول لهم ولا قوة, وهو- إن صحّ التعبير- جهاد إعلامي يواجه قذائف الدبابات الإسرائيلية, وصواريخ الطائرات الصهيوأمريكية, لاسيما في ظلّ تقاعس إعلامي عامّ ومخجل ومُحَيِّر!! فما هو عذر هذه القنوات الفضائية المحافظة عن نقل هذه الأحداث لحظة وقوعها, لاسيما وهي تنقلها بعد ذلك مع موعد الأخبار, ولكن بعد (خراب مالطا!!) أهكذا تحملنا الحمية الدينية, والغيرة الإسلامية على تهميش هذه الأحداث الهامة, لتنقل مع أخبار الحوادث الأرضية, والكوارث الجوية, أو مع أخبار المال والاقتصاد, أو مع وقائع الندوات والمؤتمرات, وكأن أحداث غزة جزء لا يتجزأ من زحمة هذه الأخبار والأحداث العارضة؟!!
أقول: مع الأسف الشديد لهذا الواقع المرّ!!!